نسر سيناء
name="google-site-verification" content="dZ__RMmFsGk3f9LUPTFHEJhCvOXmSEgQ-DixWcjEXpw" />


ملك السماء
 
الرئيسيةالبوابةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 الخطاء والصواب فى الفكر الصوفى

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
admin
Admin
avatar

عدد المساهمات : 80
تاريخ التسجيل : 28/07/2010
العمر : 62
الموقع : نسر سيناء

مُساهمةموضوع: الخطاء والصواب فى الفكر الصوفى   الأحد نوفمبر 14, 2010 7:56 pm

[center]
الفصل الثاني: الآثار العامة لمدارس وطرق التصوف في المشرق

على نمو وظهور حركة التصوف في مصر

في القرنين الثامن والتاسع الهجريين


أولا : العوامل الدينية وأثرها على نشأة التصوف المصر


توطئة :

التصوف هو عبارة عن حركة اجتماعية روحية كبقية الحركات الاجتماعية في العالم انصبت في قالب عقلي فلسفي لتبرير التقاليد والقيم التي تنادي بها خلال العصور ، هذه الحركة الاجتماعية الروحية كانت قدمرت في مرحلتين متميزتين [1]هما :

1- مرحلة الزهد
2- مرحلة التصوف .
كانت الميزة الواضحة لمرحلة الزهد أنها تتضمن نزعات روحية ليس لها توجيه عقلي كامل أو تبرير منطقي فلسفي يعكس المرحلة الثانية التي نجد فيها نفس الأفكار الزهدية ناضجة ومتطورة ومبررة ومصبوبة في قالب ثقافي ذي نظم تربوية وسلوكية وفلسفية[2] وفضلا عن ذلك يمكن أن يقال أن الزهد طريق إلى نواة التصوف ومنطلقه والصورة المصغرة منه وأن التصوف الصورة الناضجة النامية لقيم الزهد والزهد يمكن أن يقسم فيما يتصل بموضعنا إلى شكلين هما :

1- الزهد الديني أو الاجتماعي
2- الزهد الصوفي .
إن الزهد الديني هو نزعة الانسحاب الاجتماعي الذي ينعكس من المتدين الذي يخشى الانغماس بأمور الدنيا[3] أو الانسان المتحفظ الانفرادي النافر من متعارفات وتقاليد الدنيا الاجتماعية والقيم السائدة ، أما الزهد الثاني وهو الزهد الصوفي فهو عبارة عن قيم وأفكار وتقاليد معينة جعلها منطلقا لنظام روحي قابل للتطور والزيادة سواء بطريق اجتماعي أم بطريق ثقافي أو حتى بطريق سياسي فإذا بلغ أوجه وقام على قواعد ثابته وتقاليد راسخة وفلسفة مبررة ونصوص معترف بها تغير اسمه من ذلك الاسم الساذج الزهد إلى الاسم المتطور المتعمق وهو التصوف[4] .

من هنا كثيرا ما يصادفنا في كتب التصوف عبارة تقول إن الصوفي ينبغي أن يكون زاهدا لكن الزاهد قد لا يكون صوفيا[5] ومعنى هذه العبارة أن الصوفي لن يصبح صوفيا إلا بعد اعتماد الزهد طريقا في حياته ومن هنا فالزهد الكثير على أسسه المتعارف عليها يصبح تصوفا[6] ، ومن هنا لا بد من عنصر الزهد في التصوف على عكس الزهد النفسي الذي يقف عند هذا الحد وقد يكون متوجها إلى الزهد الديني الذي يعني الاحتياط والحذر الشديد وقد يعني الزهد الاجتماعي الذي يتصل بعدم الانثناء للقيم المتعارف عليها والعادات والتقاليد الاجتماعية فيقف عند هذه المرحلة ولا يتجاوزها وهي مرحلة التصوف[7] .

وإذا عدنا إلى الزهد الاصطلاحي الذي هو نواة التصوف ومنطلقه ورجعنا إلى بدايته الإسلامية نجد النص القرآني عاملا قويا في تقويته وتطويره ،علما أن هذه الظاهرة كانت موجودة فعلا في عصر ما قبل الإسلام استمدادا من التقاليد الدينية آنذاك أولا ، وتأثرا بالرهبنة المسيحية ثانيا ، خصوصا في مصر حيث طالعتنا كلمة زهد في القرآن الكريم بصورة أسم فاعل الزاهدين في قوله تعالى فيما يتصل بيوسف عليه السلام : وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ[8] .

الزهد القرآني يعني القناعة بما وعد الله وقسم من ناحية والرضا بقضائه وقدره والثقة في رعايته عز وعلا ،فضلا عن ذلك نجد العناصر الزهدية في القرآن تتخذ أشكالا كثيرة تتمثل في الواجبات الشرعية والأوامر والتوجيهات الإخلاقية وغير ذلك مما ندرج عناصره فيما يلي :

1- الصيام : الذي هو فريضة إسلامية هدفها تهذيب النفس ،لكن عند المتصوفة تعذيب النفس بحرمانها لحرمان الجسم من الطعام والشراب كاملا طوال النهار ، وما يقترن به من واجبات أخلاقية ترتفع بالإنسان روحيا إلى المثل العليا[9] .
2- الصلاة : فريضة إسلامية تعني مواجهة الله وهو المثل الأعلى خمس مرات في اليوم وما يصاحبها من تطهر بدني ونفسي واخلاء للنفس الإنسانية للألتقاء بالله مبتعدة عن كل ما يربطها بالعالم المادي وهي معراج الروح المؤمن وقوله تعالى : فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً[10] وقد أولوها أهمية كبيرة وأولوا أوقاتها اهتماما أكثر[11].
3- الإلحاح على ذكر القيامة : أكد القرآن الكريم بآيات كثر على قرب الساعة ومن ذلك قوله تعالى : أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ النحل:1
وقوله تعالى :أَمَّنْ يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ النمل:64 ، فيوم القيامة موعود به ولا يعلمه إلا الله وكثير من الآيات تؤكد أقتراب هذا اليوم ،كما أكد القرآن على ضرورة الإيمان بالله واليوم الآخر والاعراض عن الدنيا والتوجه الروحي إلى الله الذي بيده أمر كل شيء وهو الأول والآخر .

4- عذاب الآخرة الحساب : ركز القرآن على وصف عذاب الآخرة في آيات كثر وكرر الصور المرعبة للجحيم الذي تنتظر العاصين وأثر ذلك في قلوب المسلمين وحفزهم على التوجه إلى القيم الزهدية تجنبا من الوقوع في هذه الألوان من العذاب الذي ينتظرهم خلال وقت قصير[12] .
5- وصف الجنة :وصفها الله بأنها أعدت للمتقين وبأوصافها المادية الكثيرة دعت المسلمين الأولين إلى الحرص للتوجه إلى المعاني الفاضلة ونبذ المعاني الدنيوية الزائلة[13] وقد نص القرآن الكريم على الخوف من العذاب والطمع في الثواب فقال تعالى : وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ[14] واصفا صورة المؤمنين .
6- إعلان الفقر والغنى : أكد القرآن كثيرا على هذا المعني وساد معنى أن المؤمنين هم الفقراء وأن أعدائهم هم المترفون وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ [15] .وقوله تعالى : وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً [16] .
وفضلا عن ذلك إن حياة المسلمين الأولين كانت نموذج تطبيقي لهذه النظرة الزهدية ونظرة في سيرهم هي شاهد إبراز هذا الجانب .


تطور انتقال الزهد إلى التصوف في مصر :

استغرق انتقال الزهد ونموه قرنا ونصفا من الزمان وبعد هذه الفترة تغير طابع الزهد من الوضع التطوري المتنامي إلى الوضع الناضج بحيث تغير معه المصطلح الذي اطلق على ممارسي الحياة الروحية المنظمة فصاروا يسمون الصوفية بعد أن كانوا يسمون بالزهاد والفرق بين الزهاد والمتصوفة في هذا المجال هو الطابع الجزئي الذي يتميز في الزهد والطابع الكلي الذي ينعكس في التصوف[17] .ثم استقرت التقاليد التربوية والمعرفة والانظمة بحيث طبقت على وجه متكامل لا في مصر فقط وإنما في سائر الامصار الإسلامية ويلاحظ في هذا المجال أن عملية غربلة وتنسيق حدثت في هذا الوقت حيث وجدنا شيوخ الزهد في مصر وسائر المراكز الإسلامية الأخرى يتوجهون إلى بغداد ليتشاوروا مع زهاد بغداد الذين صاروا يسمون بالصوفية ليتفقوا على منهج معين يلتزمون بتطبيقه في سائر الاقطار الإسلامية التي تعنى بهذا النوع من الفلسفة وهكذا تذكر الاخبار أن ذا النون المصري زار بغداد واجتمع بشيوخ التصوف بها وأن شيوخ الفتوة والملامتية فعلوا الشيء نفسه وأن صوفية بغداد شدوا الرحال إلى الشام ومصر لهذا السبب نفسه[18] .

ثانيا : اثر مدارس التصوف في المشرق الاسلامي على نشأة التصوف المصري .

ظهر التصوف في الإسلام على يد أفراد لهم سلوكية تعبدية بارزة في حياتهم ولم يكن أي تنظيم في هذا السلوك قبل القرن الثالث الهجري بل ظهر النظام في بواكير القرن الثالث الهجري في جماعات صوفية تجمعوا حول مشايخ في حلقات وعظ وذكر داخل المساجد والخانقوات وفي بيوت الشيوخ وأصبحت أماكن خاصة في مزاولة التعلم والتعليم لمباديء الصوفية وأصبح كل شيخ من شيوخ التصوف على رأس جماعات منتظمة تأخذ من الشرع الإسلامي منهجا لآدابها وتعاليمها بطرق معينة[19] .اصبحت لها مدارس حوت طوائف من التلاميذ المريدون يلتفون حول شيخ مرشد يؤدبهم ويسلكهم ويصبرهم على المعرفة والعلم[20] .

ومن ذلك وجدت صلة بين المدارس الصوفية في المشرق الإسلامي وطرائقها ونشأة التصوف الإسلامي في مصر خلافا لما ذهب إليه بعض المستشرقين الذين أكدوا أن التصوف الإسلامي أستمد أفكاره من ديانات متعددة غير الدين الإسلامي فذهب بعضهم إلى القول بأن التصوف اصله فارسي كما قال تولك Tholk وحجته أن بعض مؤسسي طرائق الصوفية كانوا من أصل فارسي أو أنهم ممن انتسبوا إلى بعض المدن الفارسية التي ولدوا فيها[21] .
وهناك رأي آخر يرجع التصوف الإسلامي إلى العقائد الهندية كما رجح ذلك جولد تسهير Jold Sheir حيث ذكر أن العقائد الهندية كانت قد أثرت في الأفكار الصوفية الإسلامية واكب بعضها ذلك التأثير قوة وعمقا وأنعكس هذا التأثير في فكرة الفناء حسب نظرية جولد تسهير ، أن نظرية الصوفيين في فناء الشخصية هي التي تقترب وحدها من فكرة الجوهر الذاتي الهندية إذا لم تكن تتفق معها تماما[22] .أما المستشرقان هرتنhorten وهارتمان hartman فكانا قد اسندا التصوف الإسلامي إلى المصدر الهندي ، ورد بعض نظريات التصوف الإسلامي في الرياضات العلمية وما شابهها إلى تصوف الهنود[23] . أما المستشرق مركس marx فقد أكد أن التصوف الإسلامي مأخوذ من الرهبانية ،أما بروكلمان[24] فقد أشار إلى أثر الكنيسة السريانية التي نقلت إليه أفكار من المذهب الإفلاطوني نقلا[25] .
وهناك آراء مناقضة لمستشرقين آخرين ومن هؤلاء المستشرق الإنكليزي ترمنجهام sepencer Trimingham إذ قال : أن التصوف الإسلامي تطور طبيعي داخل حدود الإسلام[26] والمستشرق الآخر نيكلسون : الذي قال : إن إطلاق الحكم على أن التصوف دخيل على الإسلام غير مقبول فإن الأفكار التي أختص بها متصوفة المسلمين نشأت في قلب الجماعة الإسلامية نفسها ، أبان عكوفهم على تلاوة القرآن الكريم والحديث الشريف[27] .وهذا الرأي يلتقي برأي المستشرق الفرنسي لويس ماسينيون LOUIS MASSIGNION الذي أشار وأكد على أن التصوف قام على أساس التلاوة المستمرة والقراءة الشاملة للقرآن الكريم[28].
يمكننا بعد عرض هذه الآراء التي افترضها المستشرقون أن نقول أن صوفية الإسلام لم يكونوا من نتائج المؤثرات الاجنبية من فارسية ومسيحية ويونانية وهندية ،بل من مؤثرات داخلية إسلامية مشرقية لأن التصوف الإسلامي كان قد تعلق بشعور ووجدان ونفس إنسانية واحدة رغم اختلاف الشعوب والأجناس وما تصل إليه النفس البشرية بطريقة المجاهدات والرياضات الروحية والبدنية قد تصل إليه أخرى دون اتصال واحدة منهما بالآخرى وهذا يعني وحدة التجربة الصوفية[29] .ومن ذلك فإن الأسس التي قام عليها التصوف الإسلامي هي إسلامية مشرقية إعتمدت على مباديء الإسلام وقيمه ،لكن يمكننا أن نجد هذه الأسس والمباديء التي أعتمدها الصوفيون في تجاربهم ورياضاتهم الروحية لا تخلو من الغلو والمبالغة رغم أنهم كانوا قد استقوا من القرآن الكريم الذي هو المعين لمكونات تجاربهم ،على الرغم من عدم إشارته صراحة إلى أي اتحاد بين العبد وربه عز وعلا ولكن بعض مافيه من آيات كريمة كان الصوفية يرون فيها هذا المذهب[30] ، ومن تلك الآيات : وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ [31] وقوله تعالى : وهو معكم أينما كنتم [32] .

فالصوفيون في الإسلام كانوا قد اقتدوا برسول الله "ص" وبنوا طرقهم على أساس ذلك الاقتداء في أقواله التي جاء بها من عند الله تعالى وأفعاله الكريمة التي كان يريد بها وجه الله ورضاه وأحواله التي كانت ثمرة جليلة لكل ذلك[33] .وكان لهم في عزلة الرسول الكريم "ص" في غار حراء قبل الوحي مدخل في التصوف الإسلامي وانموذج عليهم الاقتداء به [34] .

وقد أكد الصوفية ارتباط علمهم بالكتاب والسنة وهذا ما قاله أبو القاسم الجنيد بن محمد البغدادي ،ت 297 هـ –910م : علمنا مضبوط بالكتاب والسنة ،من لم يحفظ الكتاب أو يكتب الحديث ولم يتفقه لا يقتدى به[35] .

فضلا عن ذلك هناك سلاسل صوفية تنسب إلى الرسول الكريم "ص" علما ونسبا إذ أن الرسول الكريم "ص" هو الذي وضع هذا العلم علمه الله بالوحي والالهام أياه ومن ثم جاء الصوفية وأخذوا أقواله"ص" وجعلوها طريقا ساروا عليه وتبدأ هذه السلسلة بالرسول الكريم "ص" وتنتهي بآخر شخصية وهي شيخ الصوفية الكبير الجنيد البغدادي[36] .نستنتج مما سبق من عرض آراء جمهرة من المستشرقين أنها آراء متناقضة عبرت عن رؤية وفلسفة كلام مقطوع قارب ربما بعضا، ومن ذلك لا يمكن أن نأخذ بها كاساس علمي لنشوء حركة التصوف الإسلامي التي ظهرت من لبان رحم أمة إسلامية لها أسس تكوين ومكونات ثقافية وواقع يميزها عن غيرها ساهم في أنشاء ونمو وظهور حركة التصوف الإسلامي في المشرق ،تطورت تلك الحركة بطريقتها وتياراتها حتى استطاعت تلك الحركة بتيارتها أن تسيح وتخرج إلى أنحاء المعمورة وتنتشر وتتطور طرقها في كل الأمصار الإسلامية بعد نموها وتطورها في بغداد ومن ثم بلاد الشام وصولا إلى مصر وبلاد المغرب العربي والأندلس[37] .

كان للمتصوفة في ذلك التطور رحلات وكرامات وحياة روحية ورياضات بدنية وطرق صوفية وسلوك ساهم في نشر قيم ومباديء واهداف الحركة الصوفية في أطراف مترامية من الدولة الإسلامية آنذاك ومنها مصر التي نمت فيها وترعرعت هذه الحركة .وهنا وجدت من الأفضل أن أقدم الأثر الذي تركته الطرق الصوفية التي كانت قد ظهرت ونمت وتطورت في المشرق في ظهور ونمو وتطور التصوف الإسلامي في مصر ، وقد ظهرت شخصيات صوفية تمثل الطبقة الأولى من طبقات الصوفية التي أسهمت في انتشار التصوف وتطوره في القرن الثالث الهجري /التاسع الميلادي ، ماجت الأمصار الإسلامية بالشيوخ وانتشرت الطرق وتدفقت الأفكار والمعتقدات نتيجة الانفتاح على الحضارات [38] .


ونتيجة لهذا تطور التصوف في الأمصار الإسلامية وكان تطوره عن طريقين :

1. اكتساب التعاليم التي كان لها وجود بالفعل قبل التصوف والتوسع والتدقيق في معانيها .
2. اكتساب تعاليم ورسوم جديدة [39] .وبذلك أصبح التصوف شيئا فشيئا مذهبا منظما ومدرسة يتخرج منها الأولياء لها قواعدها ورسومها من حيث سيرة المريدين الطلاب واخلاقهم وعباداتهم[40] .

مدرسة بغداد الصوفية : أقطابها ، طرقها :-
1- معروف الكرخي :
أول صوفي فيها كان معروف الكرخي :معروف بن الفيرزان الكرخي الذي مات شابا 200هـ/815م من تلاميذ داود الطائي ومن تلاميذ محمد السماك لعله الكوفي ، وتأثر بالجانب الزهدي عندهما ،زهد معروف على غرار زهد خراسان المفاجيء والسبب أن معروف لم يكن مسلما في الأصل بل دخل الإسلام من دين آخر ثم تبنى الزهد الصوفي وطوره فاسمه معروف يكنى أبا محفوظ وأبا الحسن ويلقب بالكرخي[41].

دخل معروف الإسلام من ديانة سابقة :اليهودية ،أو المسيحية ،أو الصابئة ، حيث تذكر المصادر التاريخية أن معروفا كان مسيحيا وإنه كان يقصد الكتاتيب المسيحية في صغره ، فكان المؤدب يأمره أن يقول الله ثالث ثلاثة فكان معروف يقول ذلك ويقول :احد ، أحد وانتهى الأمر بهرب معروف من الكتاب والبيت هربا من التقيد بعقيدة لا يجد بنفسه ميلا لها وعند بحث أهله عنه رضوا بابنهم ملتزما بالدين الذي يعجبه فلما جاءهم مسلما اسلموا معه [42].

أما بالنسبة للمجوسية فإنها تعتمد على اسم معروف الذي هو فيروزاد ،الفيروزان ، وهو أسم من اسماء المجوس من دون أن تقدم دليلا آخر على هذه المقولة [43]. أما بالنسبة للصابئة هذه الفكرة لا تقترن بدليل معين وأنما هو زعم من المزاعم سنوضح قيمته فيما بعد المسيحيون يقولون الأب والأبن وروح القدس إله واحد وإنهم لم يقولوا إلله ثالث ثلاثة ويقولون إله واحد فزعم هذه الرواية مخطوء ، وقوله أحد ،أحد ، هذه المقولة منسوبة إلى بلال الحبشي t حينما كان يعذبه المشركون ، أصحاب الرواية المسيحية فهموا من ذلك فهما اسلاميا فقالوا بفكرة احد ، احد رفعا لشأن معروف والابتعاد عن فكرة الثالوث المقدس[44] وتجريد الفكرة الإلهية من التعدد ،الفكرة ليست مسيحية بل تعبير إسلامي .
المجوسية : لا يوجد دليل كلامي أو فقهي على مجوسية معروف الكرخي :
1) الاسم يدل على ذلك .
2) المنطقة : بالنسبة إلى المجوسية عندما نجد كلمة كرخ نجد ستة كلمات بهذا الاسم وقسم منها في بلاد إيران .
الصابئة : أصحاب هذه الرواية دليلهم هو سكنى معروف الكرخي على النهر حيث أن الصابئة يفضلون السكن لأن أكثر شعائرهم تتعلق في النهر والماء ، والماء هو العنصر الأساس المتحكم في الصابئة . أما الأدلة التي تدل على انتقال معروف الكرخي من الصابئة إلى الإسلام فهي :
1- قضية الحياة على ضفاف الأنهار .
2- دليل نفسي يتمثل في نفور معروف الكرخي من الماء والضباب وكراماته على التحكم فيه وتطويعه كل كراماته في تحكمه في الماء .
3- حتى في أداء واجباته الشرعية لا يتورع في شرب الماء وخلال رمضان احتقارا له وتقليلا من شأنه وهذا يدعونا الى القول أن معروفا دخل الإسلام نتيجة ردود فعل نفسية على الصابئة الذين عظموا شأن الماء بحيث جعلوه عنصرا للطهارة والتصفية وكان معروف يراه عكس ذلك وإذا كان الصابئي ينتقل إلى الإسلام فأول ما ينبغي عليه فعله هو كفره بالماء والاستخفاف به وهذا ما حدث لمعروف الكرخي [45].
من أسماء معروف الكرخي هو معروف بن علي الكرخي وتسميته بهذا الاسم يدل على شيء يتصل بحياته ، ذلك لأن كتب الصوفية على العموم تقول أن معروفا أسلم على يد الإمام الرضاu ولي عهد المأمون وأنه كان بواب داره ومات على بابه حين داسته أقدام الزائرين للإمام[46] . أما من الناحية التاريخية لم يكن هناك أتصال بين معروف الكرخي والإمام الرضا "ع" حيث أن الإمام عين وليا للعهد سنة201هـ/816م ومعروف الكرخي مات سنة 201هـ/815م.ولم يكن هناك لقاء بين معروف الكرخي والمأمون والإمام الرضا "ع" [47] ، وهناك أسباب كثيرة تشير إلى ذلك ، والصوفيون يصرون بروايتهم على ربط الصوفية بالنبي"ص" عن طريق الإمام علي بن موسى الرضا "ع" ومن ناحية أخرى أن معروفا كان أول صوفي في الإسلام وهذه الفكرة تبين اجتماع أكثر من طابع صوفي واحد في معروف ويدل هذا على تطور الزهد إلى التصوف ، فمعروف أول صوفي تظهر فيه ظاهرة المزج للزهد وتظهر فيه فكرة واحدة هي التصوف ، معروف مات ولم يخلف كتابا مشار إليه ويذكر أنه مات ولم يتزوج [48].

آراء معروف الكرخي
نلاحظ أن معروفا يرد في كتب التاريخ باعتباره رجلا مجهولا لم يعرف إلا بعد موته ويذكر ذلك أبو حيان التوحيدي[49] في كتابه ،الهوامل والشوامل ، لأن ما صنع من معلومات عنه إنما كانت من تناقل الناس لا من شيء مادي مسجل وهنا تغلب على أخباره فكرة الكرامات وخوارق العادات لا الحقائق المفيدة القابلة للنقاش ومهما يكن من أمر فرأيه وقوله في تعريف التصوف : التصوف الأخذ بالحقائق واليأس مما في أيدي الخلائق [50] . هذه العبارة رغم بساطتها لكنها تتضمن بعدا فلسفيا وآخر صوفيا متطورا فالجانب الفلسفي يتمثل في تعبير هذه الجملة عن طبيعة المعرفة الفلسفية وتتمثل في تعريفه بالكندي للفلسفة بأنها علم الأشياء بحقائقها بقدر طاقة الانسان[51] .

كان التصوف هنا كالفلسفة في الخوض عن حقائق الاشياء وعدم الاقتناع بظواهرها والشيء الثاني الذي تتضمنه هذه العبارة هو الزهد في المعرفة التقليدية التي تقوم على مناقلة الرواة وتوارث المتعلمين فلأول مرة يتجه الزهد الصوفي إلى العالم الروحي مباشرة دون واسطة[52] .والظاهرة الثانية في زهد معروف تتمثل بأخذه بفكرة الفتوة الخراسانية وقد عرفها معروف بأنها الايثار مع الاضطرار ولو بالطاعات يوم القيامة[53] .

هذا المعنى يصدر من احد أقطاب التصوف لأول مرة ذلك بنقل الإيثار الذي هو جوهر الفتوة من التضحية بالمصلحة لا في مجالها الدنيوي كالذي اعتدناه من فتيان خراسان الصوفيين بل تجاوزت هذه الفتوة إلى الزهد في طاعات الإنسان التي هي رأس ماله في الحياة الدنيا والآخرة[54] التطور على هذه الفكرة كان السر في مزج معروف الكرخي بين فكرة الفتوة وفكرة الحب الإلهي وقد وجدناهما متفرقتين إحداهما في البصرة والآخرى في خراسان[55] .وعبر معروف الكرخي عن معنى الحب الإلهي بقوله لمن سأله عن هذا الاتجاه الجديد في عدم الاهتمام بالطاعات فكان جوابه إذا أجبته فانساك جميع ذلك[56] .كان معروف يرى أن التصوف ينبغي أن يصدر من فكرة الحب الإلهي ليتم بذلك الفناء في العالم الروحي توكلا واندماجا دون قيد أو خوف أو طمع أو تردد كما يفعل الناس الاتقياء التقليديون وكان من الطبيعي والحالة هذه أن يرتبط العمل الصوفي بالتوكل المطلق على الله والانقياد التام باعتباره أفضل ما يطمع إليه الإنسان المجرد من الشوائب المادية من هنا ذكر معروف الكرخي يقول : إن اطعمني أكلت وإن أجاعني صبرت[57] .

وهذا التسلسل للأفكار الصوفية الجديدة أدى إلى ظهور فكرة اتجاه تبلور فيما بعد اصطلح عليه في النهاية اسم الأحوال الصوفية وكانت ثقة معروف الكرخي في الله وتوكله عليه ورضاه بما يكتب الله وصبره على وعده إلى غير ذلك هي السبب في ظهور فكرة البسط والقبض فالبسط يعني الإيجابية والتفاؤل والإندفاع نحو العالم الروحي بثقة وإطمئنان والقبض يعني القلق الشديد والتوجه نحو العالم الروحي في خوف ووجل وهيبة وكان معروف شيخ مدرسة البسط وكان زميله بشر الحافي شيخ مدرسة القبض وفي هذا السياق قال معروف : إن أخي بشرا قبضه الورع وأما أنا فنشلتني المعرفة الإلهية[58] .

وهكذا أنتهى معروف وليا في حياته ومماته بحيث دارت العبارة المشهورة حول قبره والتي تتداولها كتب التاريخ وتراجم التصوف قبر معروف الترياك المجرب [59] ، كل ذلك في رأينا يتصل في قلة المعلومات عن هذا الصوفي وحاجة المجتمع الإسلامي والبغدادي خاصة في ذلك الوقت وبعده إلى زعماء روحيين غير الخلفاء العباسيين وغير التابعين العلويين خصوم النظام العباسي وموضع اضطهاده ليتوجه إليهم الناس بحاجاتهم الروحية ليكونوا شفعاء بينهم وبين الله وهكذا بدأ التوجه إلى أهل بيت النبي محمد "ص" عن طريق رجل وصلوا به وصلا ، ومركز معروف في التصوف يتمثل أنه كان نهاية السلاسل الصوفية من رجال التصوف يبدأ بعده الأتصال بالمثل العليا للصوفية من الرجال السابقين عليه وهناك سلسلة صوفية علمية لا نسبية تنتهي بالرسول الكريم "ص" علما أن الصوفية أخذوا عن الرسول الكريم "ص" العلم الذي علمه أياه الله بالوحي والإلهام وجعلوها طريقا ساروا عليه ، وتبدأ بالرسول الكريم "ص" وتنتهي بعد تدرجها إلى آخر شخصية وهو شيخ الصوفية الجنيد البغدادي[60]

وإن سلم التصوف من الشخصيات الإسلامية العظيمة وهم :

الرسول الكريم "ص"


الإمام علي بن أبي طالب "ع"


الامام علي بن موسى الرضا "ع"


وبعد هؤلاء تأتي الطبقة الثانية وهم

الحسن البصري[61] ت110هـ/727م

أبو سليمان داود نصير الطائي[62] ت 166هـ /781م

معروف الكرخي ،ت 200 هـ/815م

أبو الحسن السري بن المفلس السقطي[63] ت 251 هـ/867م

الجنيد البغدادي

2- الحارث بن أسد المحاسبي[64]
كنيته أبو عبد الله من علماء ومشايخ القوم بعلوم الظاهر وعلوم المعاملات والاشارات ، أستاذ أكثر البغداديين ،من أهل البصرة ، مات ببغداد سنة 243هـ/857م والمحاسبي من مدرسة بغداد الصوفية التي أثرت إيجابا في ظهور ونمو حركة التصوف الإسلامي في مصر والأقاليم الإسلامية الأخرى .

وله كتب مطبوعة كثيرة منها كتاب الوصايا وكتاب الرعاية لحقوق الله ورسالة المسترشدين ، والعقل وفهم القرآن بالطريقة الصوفية[65] .ويعد المحاسبي أحد مؤسسي مدرسة بغداد الصوفية القائمة على أقتران الثقافة بالعمل وميزة المحاسبي بن أسد أنه أختار طريقة التصوف بعد أختبار لسائر الإتجاهات الثقافية والدينية في أيامه ، فكأنه كان صورة مصغرة أو صورة سابقة للغزالي[66] حيث عانى أزمته الروحية وسجلها في كتابه المنقذ وكانت النتيجة أنه اختار طريق التصوف وقد وجد الحارث أن أصحاب الفرق الدينية والمذاهب الكلامية على الخصوص يكفر بعضهم بعضا ويقع أحدهم في الآخر ووجد هذه الظاهرة سارية في المدارس الفكرية عموما إلا التصوف الذي وجده المحاسبي أنه قد تجرد من المراء والخلاق واتجه نحو الحب والتوافق من كل حقد وبغض فضلا عن ذلك أنه تحرى الأديان المعاصرة له وحاول أن يستفيد من عناصرها بما يغني عقيدته الصوفية بالأفكار والتطبيق وهكذا وجدناه يقتبس من أقوال السيد المسيح ويضرب عليها أمثاله ويضمن كلامه قصة مشهورة نسبت للسيد المسيح تحت عنوان الباذر وهي خطبة شهيرة له تناقلتها الكتب المسيحية[67] كما التفت الحارث المحاسبي إلى الآيات القرآنية التي تعرض للرهبانية ومنها قوله تعالى : وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ فانفرد من بين المفسرين المتقدمين والمتأخرين بأن هذه الآية تتضمن مدحا للرهبانية لا قدح فيها كما أعتقد المفسرون[68] ، ودافع عن هذا في كتابه الشهير الرعاية لحقوق الله ،من ناحية أخرى استفاد الحارث من التراث اليوناني وأعجب بشخصية سقراط وخصوصا بمبدئه التحليلي واتخذ من فلسفته أعرف نفسك[69] منطلقا للتصفية الروحية التي أسسها الصوفية وأطلق عليها مصطلح المحاسبة وفي هذا المجال اشتهر المحاسبي ولقب بالمحاسبي ونسب إلى فكرته الرئيسية الأولى وطنه وعشيرته كما أعتاد المسلمون ، هنا ليس غريبا أن يؤلف المحاسبي كتابا في العقل وما يتصل به وإن كان مؤسسا للتصوف الذي يعتمد على الروح والتصفية[70] ومن هذا يمكن أن نستنتج :

1) المحاسبي من مؤسسي مدرسة بغداد الصوفية التي عدت منطلقا للتصوف الإسلامي لجميع الأمصار الإسلامية ومنها مصر وبلاد الشام .
2) اختار التصوف باعتباره مدرسة إيجابية بحته بعد طواف طويل في المذاهب العقلية الإسلامية ومن أقواله العلم يورث المخافة ، والزهد يورث الراحة ، والمعرفة
تورث الإنابة[71].

3) تأثر بالمسيحية لاقتراب طريقته ومبادئها من بعض مباديء الديانة المسيحية كالمخافة والمحاسبة .
4) تأثر بالفلسفة اليونانية ،في صورة سقراط ومذهب أعرف نفسك .
5) فلسفة المحاسبي الصوفية على أساس تحليل الذات الانسانية وتطهيرها من نواقصها الظاهرة والكاذبة وهذه الفكرة التي عممها تطوير لفكرة أبي هاشم الكوفي الذي كان يركز على أكتشاف دقائق الرياء .
6) منهج البحث العقلي يقوم على أساس الأستنباط في الأسئلة والإجابة عليها وكان هو وجنيد البغدادي يذهبان إلى الصحراء ويقول أحدهما للآخر أسئلني وهذا أيضا عنصر فلسفي سقراطي نجده عند المحاسبي[72].
7) أنه كان أول صوفي يعقد المجالس الثقافية التي تعتمد على المحاضرات في التحليل كما يفعل المتكلمون وكانت هذه المجالس تنعكس في جانبين :
إعلاء العقل عند المحاسبي وكتب رسالة يبين فيها دوره في الوصول إلى المعرفة عن الطريقة التي اتبعها الفلاسفة المعاصرون له استنتاجا من المناهج الفلسفية القديمة[73]. ومن تلك النصوص المتقدمة نستدل على أن المحاسبي كان ذا إلمام في موضوعات الزهد والمعارف المتنوعة والذي اسهم في تثبيت أركان مدرسة بغداد الصوفية التي أصبحت فيما بعد ذات أثر على ظهور ونمو وتطور التصوف الإسلامي في جميع الأمصار الاسلامية وملما بمذهب الصوفية النساك والعباد والزهاد والقراء في العراق والوافدين من العالم الإسلامي[74].

ومن أسس طريقته الاتجاه إلى العزلة التي تعني عند الصوفية الزهد والانقطاع إلى العبادة ونجد ذلك عند أغلب المتصوفة وعلى رأسهم المحاسبي الذي جعلها أساس طريقته التي أخذها بدوره تلميذه الجنيد البغدادي وجعلها طريقة سار عليها فيما بعد ونقلها السالكون والمريدون الذين تأثروا إلى ربطهم وزواياهم ليس في العراق[75] فحسب بل في عموم العالم الإسلامي وأمصاره في المشرق مصر كمحطة مقصودة بهذه الدراسة .

وعن ذلك قال الجنيد البغدادي : كنت أقول للمحاسبي : عزلتني أنسي وتخرجني إلى وحشة رؤية الناس والطرقات فيقول لي : كم أنس وعزلتي ؟ لو أن نصف الخلق تقربوا مني ما وجدت بهم أنسا ،ولو أن النصف الآخر ناء عني ما استوحشت لبعدهم[76] .

رؤية المحاسبي للعمل :-

اعتمد المحاسبي في رؤيته للعمل الذي أمر الله به على ما جاء في القرآن الكريم والسنة الشريفة ،مثل قوله : واعلم أن فريضة كتاب الله العمل بحكمه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والخوف والرجاء لوعده ووعيده والاعتبار بقصصه وأمثاله فإذا أتيت بذلك فقد خرجت من ظلمات الجهل إلى نور العلم[77] .،إذ قال سبحانه وتعالى : اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ[78].

تلاميذه وأثره فيهم :

كان المحاسبي صوفيا متميزا بآثاره وسلوكه الزاهد وكان له تلاميذ يجتمعون معه عادة في مجالسه العامة المختلفة وكانوا يجلونه ويجلونه لعلمه واستقامة طريقته وقد أعجب الكثير بعلاقة المحاسبي وتلاميذه وبالتفافهم حوله وحبهم له ومنهم الامام احمد بن حنبل وعندما سئل كيف وجدت هؤلاء قال : ما سمعت في الحقائق مثل هذا الرجل المحاسبي ولم أر مثل أصحابه معه[79] ،وهذا دليل على ما كان يربط المحاسبي بتلاميذه من العلاقة الوطيدة والاجلال والاحترام في طريقته الصوفية ومن أبرز وأجل تلميذ له هو الجنيد البغدادي الذي كان له الأثر الكبير في نشر أفكاره والذي استند إلى طريقته وأسس طريقة صوفية لها الأثر الأكبر في تعميم مباديء الصوفية وكان للجنيد مع المحاسبي وقفات ومن هذه الوقفات الذي ذكرها الجنيد حين قال : كان المحاسبي يجئ إلى منزلنا ويقول أخرج معنا نصحر ، فأقول له تخرجني من عزلتي وأمني على نفسي إلى الطرقات والآفات ورؤية الشهوات ؟فيقول أخرج معي ولا خوف عليك فأخرج معه ، فكان الطريق فارغ من كل شيء ، لا نرى شيئا نكرهه فإذا حصلت في المكان الذي يجلس فيه قال :سلني ، فاقول ما عندي سؤال أسألك فيقول لي سلني عم يقع في نفسك فتنهال علي الأسئلة فيجيبني عنها لوقتها ثم يمضي لمنزله فيعمل من هذه الأسئلة كتبا [80].

هكذا نجد الفائدة الناتجة من العلاقة بتلاميذه ومن الأمثلة على ذلك تأليفه كتاب المسائل في الزهد وهذا الكتاب اجابات على أسئلة تلاميذه ولكنه تواضع منه واخفاء لأمر جعل من نفسه سائلا ومجردا أستاذا يجيبه[81].

وعن صفات التلميذ الذي ارادها أن تكون فقد ذكر المحاسبي ما يجب من صفات ليكون مؤهلا للعلم والعمل الذي نادى به وجعله أساسا لطريقته إذ قال سبع خلالها بكمل عمل المريد نور حكمته ، حضور العقل ،ونفاذ الفطنة ، وسعة العمل بغير غلط ،وقهر العقل للهوى والتثبت قبل القول والعمل ـ الحذر للآفات التي تشوب الطاعات[82] .

3- أبو القاسم الجنيد[83]
محمد أبو القاسم الخزاز وكان أبوه يبيع الزجاج فلذلك كان يقال له القواريري ، أصله من نهاوند ومولده ومنشؤه في بغداد ففيها تفقه على أبي ثور[84] . صحب السري السقطي ،والحارث المحاسبي ،ومحمد بن علي القصاب البغدادي[85] توفي سنة297هـ/909م[86] .

والجنيد فيلسوف حقيقي للتصوف الإسلامي،فارسي الأصل ،والجنيد في لقبه يبين لنا حقيقة من حقائق التصوف على العموم حيث لقبه القواريري وكذلك لقبه الخزاز ، الصوفية على العموم كانوا مجموعة من أصحاب الحرف ومن أصحاب المستوى العقلي والذكاء الاجتماعي وكانت لهم طاقة عقلية تنبع من حرفهم حيث نرى أكثر المفكرين هم من أصحاب الحرف ،المتكلمين ، الغلاة ، الصوفية ، نلاحظ أغلبهم من أصحاب الحرف . أتسمت طريقته في جميع الأمصار الإسلامية بدايتها نهاية طريقة الملوك[87] .

طريقة الجنيد البغدادي :

جنيد البغدادي أقام التصوف على قاعدتين هما :

1- أقامه على قاعدة عقلية .

2- أقامه على قاعدة عملية مع حرصه على روح الإسلام التطبيقية وهو الذي بدأ المنهج الذي تطلب من كل صوفي أن يكون فقيها وأن يمارس الفتوى في المجالس الفقهية بصورة فعلية وإلا لم يقبل في عالم التصوف وعند دراسة طريقته وجدناها تربط بين الشريعة والسلوك ونجد الجنيد آمن بالاقتداء بالنبوة ولا ينكر تمسكه بشريعة الرسول الكريم "ص" وأمضاء سنته[88] .وكان الجنيد قد طالب بممارسة الشريعة الإسلامية على فكرة دينية كان صاحب المنهج الذي استقر في التصوف فيما بعد ويتمثل في كسر النفس ومحاربة القيم الاجتماعية الموروثة من جاه ونسب ومال وما الى ذلك قبل الدخول في عالم التصوف الذي هو عالم روحي صرف يتناقض تماما مع التطلعات التقليدية في المجتمع .واوضح نموذج على هذا الاتجاه قصة دخول الشبلي[89] إلى عالم التصوف فقد أكرهه جنيد على خدمة زملائه الصوفية مدة وعلى الطواف مرة أخرى حتى أنتهى في خاتمة المطاف إلى احتقار كل القيم التي كان الناس يتنافسون على الوصول إليها وكانت طريقته من أكبر الطرائق التي ظهرت بسبب أثره وإيمانه بأن التصوف قوة عليا لا يرقى إليها إلا الصفوة أولو العزم والقوة وجاء يوما يطلب التلمذة وتلمس الطريقة ،فقال أذهب وأخدم الملوك ثم تعال إلينا ،فإن بداية طريقنا نهاية مقام الملوك[90].
وكان الجنيد ينظر إلى الحلاج مصداق لهذا المنهج الذي كان يتطلب التواضع المطلق حتى في مجال المعرفة ومن هنا رفض الجنيد قبول الحلاج لأنه كان مدعيا يمارس الكرامات التي كان جنيد يعتبرها مخاريط ونزوات ينبغي على الصوفي أن يترفع عنها ترفعا تاما [91].
وفوق هذا انطلق الجنيد إلى التصوف على الطريقة التي لقبها الحارث المحاسبي فقد طاف في اشكال الثقافات الإسلامية ودرس علم الكلام وعبره في رسائله عن فكرة الصفات الأزلية واستقى من الفلسفة اليونانية أشياء كثيرة وظهرت في أقواله فكرة عبارة كأس المحبة التي تتصل بالفكرة اليونانية القديمة عن الباكوسية نسبة إلى باكوس إله الخمر وتعني الخمرة الإلهية أو المعرفة الفيضية أو الذوقية[92].

أقواله في التصوف :

للجنيد أقوال في التصوف إذ قال : وما أخذنا التصوف من القيل والقال ولكن عن الجوع وترك الدنيا وقطع المألوفات والمستحسنات لأن التصوف هو صفاء المعاملة مع الله وأصله التعزف عن الدنيا[93].وقد جمع الذهبي ما قاله الجنيد وعلمه بقوله : هذا حسن ومراده :قطع أكثر المألوفات وترك الدنيا وجوع بلا أفراط والسعادة في متابعة السنة فزن الأمور بالعدل وصم وافطر ونم وقم والزم الورع في القوت وإرض بما قسم الله واصمت إلا من خير فرحمة الله على الجنيد وأين مثل الجنيد وعلمه وحاله ؟[94].

فضلا عن ذلك فإن الجنيد عقد صلة بين التصوف وبين التوحيد والتوحيد هي النقطة النهائية التي يطمح إليها الصوفية والتصوف عند الجنيد يتألف من ثلاث عناصر :

1) الرياضة الروحية .
2) الثقافة الصوفية .
3) محاولة الوصول إلى الإنسانية المثالية لكي يصلح الصوفي في الدخول بالعالم الروحي فالتصوف عنده ثقافي[95].
وقد أكد أبن تيمية في السير على طريقته ومنهجه والدعوة إليها بقوله: فمن سلك مسلك الجنيد من أهل التصوف كان قد أهتدى ونجى وسعد وقال: الجنيد : أعلم إن أول عبادة الله معرفته وأصل معرفته توحيده المادي ،ونظام توحيده نفي الصفات عنه بالكيف والحيت والأين ، الاستدلال العقلي[96] فبه استدل عليه نذلك عن طريق الاحساس الداخلي بالوحدانية وقد استطاع الجنيد الاحساس بالتوحيد عن طريق المراحل والاسفار الأربعة التي أشرها الأستاذ كامل مصطفى الشيبي[97] :

‌أ- السفر من الحق إلى الحق .
‌ب- السفر من الحق في الحق .
‌ج- السفر من الحق إلى الخلق .
‌د- السفر للحق في الخلق .
اما المراحل فهي :

1- المرحلة الأولى نفي استعداد المتعلم بالتوجه إلى العالم الروحي وذلك بتثقيف نفسه تثقيفا ذاتيا يؤهله للوصول إلى هذه الغاية .
2- المرحلة الثانية فيها يندمج الإنسان في الحق أي في العالم الروحي ملتزما طابع التجريد بحيث يباعد بينه وبين العالم المادي ويخرق في العالم الروحي ،وغاب عن إحساسه بوجوده .
3- المرحلة الثالثة هي أن يتطبع بطبيعة العالم الروحي وفهم ما يجري فيه والقدرة على التعبير عنه بطريقة المندمجين في العالم الروحي وهو الفهم والتعبير القلبيان بدون ألفاظ ولو عبر عن هذه الألفاظ المعتادة ،وعند اجتياز المريد هذه المرحلة أيضا استطاع الوصول إلى المرحلة الرابعة [98].
4- المرحلة الرابعة : وهي التي توصف بأنها السفر بالحق في الخلق وهي تعني القدرة على التعبير عن المشاهدات الروحية بأسلوب البشر وألفاظهم واصطلاحاتهم بحيث لا تبدو هذه التعبيرات مخالفة لعقولهم ومنطقهم وأسلوبهم ،وهذا ما يميز المنهج الذي أتبعه جنيد باعتباره مؤسس مدرسة الصحو في بغداد عن زملائه أتباع مدرسة نيسابور الفنائيه عن الحسن ، وتبعه في ذلك جمهور من الصوفية في عصره وهو أن يسير طريق الصحو وهو ما خالف أبو يزيد بن طيفور بن عيسى البسطامي[99] ت 261هـ/874م الذي اتبع طريق السكرة الغيبوبة [100]
كان افلوطين يرى أن النفس تصعد إلى وطنها بعد خلاصها من الجسد فترى الله بقوة مشاهدتها وذلك باتباع التصفية وما إلى ذلك ، وبالضبط هدف الجنيد البغدادي الذي يتحقق عنده في المرحلة الثالثة ليعبر عنه في المرحلة الرابعة ، بهذا تبين العنصر الفلسفي الواضح في فلسفة الجنيد الصوفية التي صارت منطلقا في التصوف الإسلامي في مدرسة بغداد الثقافية وصار هذا التصوف مدرسة تحارب الأساليب الشاذة والأفكار غير المعتادة التي نادى بها أتباع مدرسة نيسابور الصوفية وما تفرع عنها من جماعات شاذة من الملامتية والقلندرية[101]

ولا بد أن نشير إلى تمسك الجنيد وأتباعه بفكرة ربط هذه الأفكار بالموروثات ومن هنا وجدنا أشتراط التفقه وصدود الجنيد عن أفكار المتكلمين في مسألة نفي الصفات وفيما يتصل بالإلتزام التام بالموروثات الشرعية يقول الجنيد بذلك : علمنا مضبوط بالكتاب والسنة ، من لم يحفظ الكتاب ولم يحفظ الحديث ولم يتفقه لا يقتدى به وهذا السبب في أن أبا عبد الرحمن السلمي روى لكل من ترجمهم من الصوفية في كتاب طبقات الصوفية مجموعة من الأحاديث النبوية الشريفة أشرت عنهم لئلا يظن بهم البعد عن روح الإسلام ومن ثم الوقوع في نطاق الزندقة والكفر ، وبالتالي الوقوع تحت طائلة العقاب فرديا وجماعيا ومن هذه النماذج التبرك الجماعي مثل الحلاج حيبن حوكم وثبتت أدانته ولم يدافع أحدهم عن هذا الصوفي إلا بعد قتله بأكثر من قرنين وذلك حين تصدى الشيخ عبد القادر الجيلي ففتح لمن جاء بعده من الفلاسفة والمتكلمين الصوفية والشعراء هذا الدفاع عن هذا الصوفي وقد أعتبر من شهداء العالم[102] .


[b]مدرسة نيسابور الصوفية
:
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://alnsr.3oloum.com
admin
Admin
avatar

عدد المساهمات : 80
تاريخ التسجيل : 28/07/2010
العمر : 62
الموقع : نسر سيناء

مُساهمةموضوع: رد: الخطاء والصواب فى الفكر الصوفى   الأحد نوفمبر 14, 2010 8:00 pm

يضاف إلى هذا إن أبا يزيد استفاد من فكرة المحاسبة التي وضع أسسها الحارث بن أسد المحاسبي كما أن أبا يزيد لم يهمل المراحل الفقهية التي وضعها الجنيد البغدادي إضافة إلى حرصه على الإلتزام بالتطبيقات العملية في الشريعة الإسلامية وهذا هو السبب في قوله " وإن في الطاعات من الآفات ما لا تحتاجون معها إلى أن تطلبوا المعاصي " وقال : طوبى لمن كان همه هما واحدا ولم يشغله قلبه بما رأت عيناه وسمعت أذناه أي ترك الدنيا [114] .
ومن هذا المنطلق بدأ أبو يزيد البسطامي مستفيدا من التراث الصوفي المعاصر له غير أنه بدأ استقلاله عنه لأنه لم يكن من أنصار المجاهدة كذلك لم يكن من أنصار الكرامات الصوفية التي هي ثمرة الإستغراق الكامل في العالم الروحي .
قال أبو يزيد :لو نظرتم إلى رجل أعطي من الكرامات حتى تربع في الهواء فلا تغتروا به حتى تنظروا كيف تجدونه عند الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وحفظ حدود الشريعة[115]. وهنا أهدر علم الفقهاء والعلوم المستقاة من الروايات ومن جملة ما نقله صاحب الرسالة في حق أبي يزيد أنه سئل بأي شيء وجدت هذه المعرفة ؟ فقال : ببطن جائع وبدن عار[116]. وقال : عرفت الله بالله وعرفت ما دون الله بنور الله[117] ، وقال : أدنى ما يجب على العارف أن يهب له معاقد ملكه[118].
وقال أبو يزيد : عملت في المجاهدة ثلاثين سنة فما وجدت شيئا أشد من العلم ومتابعته ولولا اختلاف العلماء لبقيت ، واختلاف العلماء رحمة إلا في تجريد التوحيد[119].وقد جرى أبو يزيد البسطامي مجرى التحليل النفسي الذي رأيناه عند الحارث المحاسبي الذي كان يرى أن للنفس عيوبا ظاهرة وأخرى باطنة خفية ، ظاهرها طاعات وباطنها معاصي وهذه الفكرة تتصل بالمحاسبة للنفس وما يزيد هذه الفكرة وضوحا قوله : "السنة ترك الدنيا والفريضة الصحبة مع المولى ، لأن السنة تدل على ترك الدنيا ،والكتاب كله يدل على صحبة المولى فمن تعلم السنة والفريضة فقد كمل"[120].
هذه الأقوال تدل على المعرفة المقصورة المعرفة الظاهرية والباطنية التي هي منطلق التصفية الروحية على مذهب الحارث المحاسبي .
وبهذه الفكرة أكد على المعرفة الإلهية لا المعرفة الإنسانية الموروثة التي ليست لها قيمة حقيقية اما القيمة الحقيقية تكمن في المعرفة الإلهية التي منبعها القلب بالتوجه إلى المثل الأعلى وخاطب البسطامي أصحاب العلوم الموروثة : قائلا : مساكين أخذوا علمهم ميت عن ميت وأخذنا علمنا من الحي الذي لا يموت[121].
وبحثا عن صلة طريقته الصوفية بالتصوف المصري ، أنه كان قد لقى ذا النون المصري وقد عرفت طبقته فيما سبق ومن جملة ما حكي عنه بنقل بعض المواضيع المعتبرة إنه أرسل ذا النون المصريت 245هـ/859م العارف المشهور المتقدم ذكره إليه رجلا وقال له إلى متى النوم والراحة وقد جازت القافلة ؟ فقال أبو يزيد : قل لأخي ذي النون الرجل من ينام الليل كله ثم يصبح في المنزل قبل القافلة ، فقال ذو النون هنيئا له هذا كلام لا تبلغه أحداثه[122].

2- الحلاج [123]
يعد المغيث الحسين بن منصور بن محمى البيضاوي[124] ت 309هـ/921م النموذج الثاني لمدرسة نيسابور ولد الحلاج في قرية الطور في الشمال الشرقي من مدينة البيضاء من مدن مقاطعة فارس في إيران وكان جده محمى مجوسيا ، دخل أبوه العراق مع أسرته عند البصرة وكان يحترف حلج القطن ليمارس مهنته هذه في مناطق البصرة التي كانت مركزا لزراعة نسج القطن في
ذلك العصر[125] . استقرت أسرته بواسط[126] قرب قضاء الحي وكانت واسط في ذلك الوقت مدينة عامرة واقعة بين البصرة والكوفة ، وقضى الحلاج صباه فيها يتعلم عند كتاتيب واسط وكانت حركة الزنج[127] على أشدها يومئذ ثم قصد تستر الواقعة في الناحية الإيرانية من شط العرب وعلى ضفة نهر الكارون وكانت مركزا من مراكز التصوف المعروفة[128] .

وصحب هناك الصوفي الكبير سهل بن عبد الله التستري[129] ت283هـ/896م وبعد سنتين أنتقل إلى البصرة ليصحب صوفيا آخر هو عمر بن عثمان المكي وبرز الحلاج في البصرة بوصفه صوفيا متحمسا ذا مستقبل وتزوج هناك بنت صوفي مشهور هو أبو يعقوب الأقطع الذي كان منافسا لأستاذه المكي وأدى هذا الزواج إلى خصومة بين الشخصين اضطر بسببها الحلاج إلى الخروج
من البصرة[130] والذهاب إلى بغداد حيث أكمل مساره الصوفي ولما ساءت الأمور المعاشية في البصرة لم يرجع إليها بل قصد الحلاج مكة[131] لأداء فريضة الحج وبقى هناك سنة كاملة قضاها في ممارسة الرياضات الصوفية وذلك بتعريض جسده لأشد أنواع العذاب والحبس والاقتصار على الخبز والماء والتعرض لأشعة الشمس اللافحة في جبال مكة الجرداء .

وعاد الحلاج بصورة شيخ ناجح وله استقلاله وآراءه المتطرفة وكانت النتيجة فقدانه شيخيه عمر بن عثمان والجنيد البغدادي . بعد ذلك عاش الحلاج في عربستان الأحواز ونطقوا عنه حلاج[132] الأسرار ومارس ثقافة جديدة ومعرفة مختلفة فانتقل إلى الطابع الفلسفي الميتافيزيقي للمعرفة التي يصعب على البسطاء معرفتها واستيعابها وإدراكها أيضا ، وقد فشل الحلاج في هذه الرسالة فاضطر إلى الانتقال إلى خراسان [133] ليعظ الناس في الطالقان شرق إيران حيث قيام دولة زيدية شيعية وبعد ظروف وانتقال مستمرين حج الحلاج ثم قصد الاقسام الشرقية من الدولة الإسلامية حيث زار تركستان والهند حتى بلغ الصين والهند حيث تعلم الحلاج التصوف الهندي وتعلم رمز ذلك التصوف التحميل وشاهد الممارسات العنيفة التي كان المتصوفون الهنود يرتاضون بها ورأى بعينيه الصوفية منهم من جعل نفسه طعاما للنسور ومنهم يمشي على الجمر[134] ومنهم من ينقطع عن الطعام لفترات طويلة ويبدو أنه أعجب بهذه الممارسات وعاد إلى وطنه قاطعا على نفسه عهدا أن يفتدي نفسه في سبيل الله على الطريقة الهندية ومن هنا قال : تهدى الأضاحي وأهدي مهجتي ودمي[135] ومعنى هذا العهد يتبلور عنده آراء جديدة حول كيفية العمل الصوفي المجدي فبدأ يدعو الناس سرا لمذهبه الذي يقوم على جانب تغليب الروح على الجسد بأشد ما تكون الرياضات بهدف شحنها بالروح الإلهية لتمكينها من تقبل الطاقة الربانية التي يعجز البشر العادي عن تحمل اشعاعها في نفسه ، هكذا وصفها الأستاذ كامل مصطفى الشيبي[136] .
كان رأي الحلاج في هذه الفترة أن صاحب الدعوة يجب أن يمضي في دعوته إلى النهاية بدون تراجع كالمسيح في الصورة الدينية وكأبليس في الصورة التي يأباها الدين ويتبناها هو من هنا جاء عن لسانه قوله :

على دين الصليب يكون موتي



ولا البطحا أريد ولا المدينة [137]


ومعنى هذه الدعوة الروحية ان للحلاج هدفا سياسيا هو إحداث إنقلاب سياسي في الدولة العباسية والمجتمع المعاصر الذي لم يكن يستطيع هضم دعوته إلا عن طريق القوة وتحقيقا لهذه الغاية بدأ الحلاج تنظيما سريا في العراق وإيران وحاول أن يتصل برجال من العلويين ليكونوا القادة الأسميين للحركة دون طائل ثم حاول الأتصال بزعماء الشيعة أيام الغيبة الصغرى للأمام المهديعج ليكونوا حلفاء له وفشل في هذا أيضا ثم قصد إلى البصرة وهناك أتصل وأتفق مع رجل علوي هو أبو عمارة الهاشمي على أن يكون الرئيس الظاهري لهذه الحركة وزيادة في طلب الحلفاء أتصل الحلاج بالقرامطة وكانوا الجناح العسكري للحركة الفاطمية فحصل بينهما أتفاق على أن يكون الحلاج داعية لها في العراق مع العزم منه على الاستقلال منهم في الوقت المناسب وبدأت الحركة مطلع القرن الرابع الهجري أقترن بفكرة تجديد الدين لكنه قبض عليه وحقق معه دون أن توجه له تهمة معينة غير أنه لم يطلق سراحه مباشرة وإنما عوقب بصلبه أي تعليقه بحبل على عمود شجرة مدة ثلاثة أيام إطلاعا للناس على شأنه وأعلانا لعدم رضا السلطان عنه[138] وقد فهم الباحثون والرسامون هذا الصلب على صورته المادية الحرفية ومن هنا جاءت صور الحلاج المتخيلة قديما على صورة رجل مصلوب بحبل من عنقه كما يشنق المحكوم بالإعدام[139]. وبعد أطلاق سراح الحلاج بفترة قصيرة ألقي القبض عليه من جديد وحبس في دار الخلافة ثم في دار الوزارة وأخيرا بني له سجن خاص قضى فيه ثمانية أعوام وطورد أنصاره من الموظفين والمدنيين وقبض عليهم لكنه استطاع التأثير في كبار البلاط وفي أم الخليفة نفسها[140] . من ذلك قدم الحلاج للمحاكمة بتهمة الزندقة شكلت له محكمة أختير لها ثلاثة من كبار قضاة بغداد فحكمت عليه بالاعدام تحت ضغط الوزير حامد بن عباس ونفذ عليه الحكم على الصورة التي رسمها الخليفة وذلك بجلده الف جلدة ثم قطع أطرافه الأربعة وضرب رأسه واحراق جثته وذره رمادها في دجلة وكانت هذه الصورة من الإعدام تنفذ عادة في دعاة الدولة الفاطمية من القرامطة الذين قبضت عليهم الدولة العباسية وقطعت دابرهم وتخليص الدولة العباسية من السقوط الذي كان قاب قوسين أوأدنى منها في ذلك الوقت[141] فوفاته لم تكن بصورة طبيعية ولكن نهايته كانت بقتله في بغداد بباب الطاق يوم الثلاثاء ، لست بقين من ذي القعدة سنة 309هجرية[142].
الصوفيون الذين خالطهم وصاحب مشايخهم الجنيد البغدادي وأبو الحسن النوري وأبو عبد الله عمر بن عثمان المكي[143] جميعهم قد اختلفوا في أمره[144] فمنهم من تبرأ منه وعلى رأسهم عمر بن عثمان المكي إذ كان يلعن الحلاج ويقول : لو قدرت عليه لقتلته بيدي وعندما سئل عن
السبب وما وجده عند الحلاج قال : قرأت آية من القرآن الكريم ، فقال لي يمكنني أن أؤلف مثله وأتكلم به[145] .

أما الجنيد البغدادي فقد روى عنه أنه مر يوما بالحلاج فقال الحلاج أنا الحق فقال الجنيد : أنت الحق بالحق أية خشبة تفسد فتحقق فيه ما قال الجنيد لأنه صلب بعد ذلك[146] ، ولهذا فإن الجنيد لم يسعه حينئذ إلا أن يهاجم الحلاج ويرميه بالسحر والشعوذة[147] .
وذكرت المصادر التاريخية أن من أسباب قتله هي الشطح الذي كان يعم مواقفه وأنشطته عامة حيث أن السلطات وجدت كتابا من كتبه التي بلغت الثمانين والتي لم يبق منها إلا كتاب الطواسين الذي حققه ماسينيون وكذلك نتفات من شعره جمعها ما سينيون على شكل ديوان –فيه مراسم للحج وضعها الحلاج يستغني بها الإنسان المسلم إن أراد الحج عن الذهاب إلى مكة وذلك بافراد في بيته بناء مربع لا يلحقه شيء من النجاسات وإذا حضرت أيام الحج طاف حوله وقضى من مناسك الحج ما يقضى في مكة ثم جمع ثلاثين يتيما ويعمل لهم الطعام ويغسل أيديهم ويكسوا كل واحد منهم ويدفع لكل واحد منهم سبعة دراهم[148] .
فهذا الكتاب كان سببا في هدر دم الحلاج وعندما سئل من أين لك ذلك أجاب من كتاب الاخلاص للحسن البصري ،فقال له القاضي أبو عمرو محمد بن يوسف بن يعقوب بن اسماعيل الأزدي[149] ت 320 هـ/932م ياحلال الدم ،فأمر بأحلال دمه[150] ولما أقتيد الحلاج ليعدم أنشد :

طلبت المستقر بكل أرض



فلم أر لي بأرض مستقرا


أطعت معاصي ما استبعدتني



ولو أني قنعت لكنت حرا [151]


أصول طريقة الحلاج :-
طريقته ظهرت في بغداد ثم انتشرت في باقي الأقاليم الإسلامية ، مذهبه خاص وغريب جعلته الناس قريب من الكفر والزندقة التي عجلت بنهايته ومن أقواله الداعية إلى الحلول إذ قال : ولو ألقي مما في قلبي ذرة على الجبال لذابت ولو أني كنت يوم القيامة في النار لأحرقت النار ولو دخلت الجنة لأنهدم بنيانها ثم أنشد يقول :

عجبت لكلي كيف يحمله بعضي



ومن ثقل بعضي ليس تحملني أرض

لئن كان لي من بسط الأرض مضجع



فقلبي على بسط الخلق في قبض[152]


وذكر أبو منصور البغدادي : أن الحلاج في بدء أمره كان مشغولاً بكلام الصوفية وكانت عباراته حينذاك من الجنس الذي تسميه الصوفية الشطح يحتمل معنيين أحدهما حسن محمود والآخر قبيح مذموم وكان يدعي أنواع العلوم على الخصوص والعموم[153] .
وفرقته تعد من الفرق الحلولية التي نسبت إلى الكفر والزندقة حيث قال : من هذب نفسه في الطاعة وعبر على اللذات والشهوات نفي إلى مقام المقربين ثم لا يزال يصعد ويرتقي في درجات المصافات حتى يصفو على البشرية فإذا لم يبق من البشرية حظ حل منه روح الإله الذي حل بعيسى بن مريم عليه السلام[154] ،وعند وصول الإنسان إلى هذه المرتبة أصبحت أفعاله جميعا من فعل الله تعالى ،وعد نفسه إنه ممن وصلوا إلى الرتبة التي وصل إليها السيد المسيح عليه السلام وعبر عن ذلك بقوله أنا الحق[155] .
وذكر أبن كثير أنه كان ذا حلول في بدء أمره وتوجد أشارات كثيرة تثبت ذلك منها شعره الذي قال فيه :

جبلت روحك في روحي كما



يجبل العنبر بالمسك الغنق

فاذا مسك شيء مني



وإذا أنت أنا لا نفترق [156]



ويذكر أبن النديم ،أبو الفرج بن أبي يعقوب ت385هـ/995م أنه كان رجلا محتالا مشعوذا ، يتعاطى مذاهب الصوفية يتحلى ألفاظهم ويدعي كل علم ، وكان يعرف شيئا من صناعة الكيمياء ، كان جاهلا مقداما جسورا على السلاطين ، مرتكبا للعظائم يروم أخلال الدول ويدعي عند الصحابة بالإلوهية ويقول بالحلول [157].

آراء الحلاج :-
ذكر الحلاج أنه إختار من كل مذهب أشهر ما فيه وكانت آراؤه نسيجا لأعمق ما عاصره من أفكار وأوعاها لتحقيق منهج تطبيقي يسبغ على الإنسان جدية والتزاما وشعورا بالمسؤلية على أساس روحي مثالي فيصدر عن الفتوة ولإثارة اللذين وجدناهما في أصول التصوف الأساسية ومن هنا وجدنا الحلاج يعتبر أبليس وفرعون أعظم فتيان في تاريخ العالم على مقولة أن الأول ضحى بمجده كرئيس للملائكة مقربا من الله حرصا على عنصره الأفضل وصونا له من أن يذل بسجوده لعنصر أدنى منه يمثله آدم أبو البشر وهذا يتمثل في قوله تعالى في تسجيل خطاب أبليس له حين أمره بالسجود لآدم عليه السلام ، خلقتني من نار وخلقته من طين ، وهكذا آثر أبليس أن يبوء باللعنة الأبدية على أن يخضع عنصره الناري للعنصر الترابي هذا مع أيمانه بالله وتوحيده له واعتراف بوجوده [158].
أما فرعون فقد أعتبره الحلاج مثالا أعلى للتضحية والإيثار ولقد فسر الحلاج فضله بأنه رفض الإعتراف بوساطة الأنبياء بين الله والبشر ومن هنا رفض الإيمان برسالة موسى عليه السلام لأن ذلك في رأي الحلاج إعترافا بأن الطريق بين الله والبشر مسدود ولا يتم الاتصال الا عن طريق الأنبياء[159].
وكما صدر الحلاج عن الفتوة صدر عن الملامتية وآراؤه في هذا المجال تعتبر استمرارا لما بدأ واستمر للمرحلة التي بدأها البسطامي وتعتبر آراء الحلاج متأثرة بآراء الافلاطونية الحديثة وبمنهج سقراط على طريقة المحاسبي وفيها شيء من العناصر المسيحية وجانب من الفلسفة الغنوصية وهي فلسفة روحية تتصل بالمعرفة الذوقية وسيتمثل العنصر الفنوصي من آراء الحلاج في رأيه الخاص بالخلق فإنه كان يرى بأن الله أحب ذاته فأدى ذلك إلى أخراج نفسه على صورة إنسان ثم البشر من المخلوقات والعوالم لكي تحب وتفنى به وهنا هو بالضبط رأي الغنوصيين الذين قالوا أن الله ظهر بصورة إنسان قبل أيجاد الناس ثم خلق البشر على صورته تلك وقد وضع الحلاج على لسان النبي r حديثا في هذا المعنى نصه خلق الله آدم على صورته ، كما قال الحلاج مازجا آدم بالمسيح باعتبار الثاني مماثلا للأول في الخلق إشارة إلى قوله تعالى إن مذهب المسيح عند الله كمذهب آدم [160]. ثم قال له كن فيكن وبهذا المعنى قال الحلاج :

سبحان من أظهر ناسوته



سر من لاهوته الثاقب

ثم بدا خلقه ظاهرا



في صورة الآكل والشارب


حتى لقد عاينه خلقه



كلحظة الحاجب بالحاجب [161]



وعلى العموم فقد سجل الحلاج فلسفته جملة تضمنها كتابه الطواسين وذلك بقوله أظهار الخلائق لا تتعلق بالحقيقة والحقيقة لا تتعلق بالخليقة أي أن هنالك تنافرا تاما بين الانسان العادي والمعرفة الإلهية[162] ، وفي توضيح هذا المعنى قال الحلاج : الخواطر علائق ، علائق الخلائق اتصال الحقائق وإدراك علم الحقيقة صعب فكيف بأدراك الحقيقة الله .
لهذا كانت الإلهيات النسكية أهم آراء الحلاج وغاية هذه الإلهيات عنده هي توطيد اتحاد حقيقي أبدي بين الإنسان وربه[163]. نستنتج من ذلك أن مذهب الحلاج كان نوعا من الحلولية التشريفية التي تزيد نزول التجلي الإلهي في قلب المتنسك وسكب الأسرار الربانية فيه[164].
هذه الأمور جعلت من الحلاج منسوبا إلى الكفر والزندقة وصورته مشعوذا وعلى نقيض ذلك هناك آراء جعلت منه عابدا زاهدا ونسبت إليه الكثير من الكرامات وجعلت من القرآن والسنة مسارا سار عليه وولدت لديه مواقف شجاعة وتضحية من أجل المباديء التي كان يروم تطبيقها ومنها قوله بالإلوهية إذ قال : من ظن أن الإلوهية تمتزج بالبشرية أو البشرية تمتزج بالإلهية فقد كفر فإن الله تعالى تفرد بذاته وصفاته عن ذوات الخلق وصفاتهم فلا يشبههم بوجه من الوجوه ولا يشبهونه بشيء من الأشياء[165].
وكان أبو الحسن علي بن اسماعيل الأشعري 330هـ/941م قد وصف الصوفية وجعل منهم من يقول بالحلول وأن الباريء يحل في الأشخاص وأنه جائز أن يحل في انسان ومن هؤلاء الاشخاص أبو المغيث الحسين بن منصور الذي أعتقد بهذه المقالة[166] ، ومن ذلك آمن وسعى على تطبيق ذلك قائلا : من ألتمس الحق بنور الإيمان كان كمن طلب الشمس بنور الكواكب[167] قال في القرآن الكريم حينما سئل عنه قال : القرآن لسان كل علم ولسان القرآن الأحرف المؤلفة وهي مأخوذه من خط الأستواء ، أصله ثابت وفرعه في السماء وهو ما دار عليه التوحيد[168] ، وعندما سئل عن الزهد قال :

عليك يا نفس بالتسلي



العز بالزهد والتحلي

عليك بالطلعة في مشكاتها



الكشف والتجلي


قد قام بعضي ببعض بعضي



وهام كلي بكل كلي[169] .



الطريقة السهروردية
هذه الطريقة منسوبة إلى الشيخ السهروردي المقتول يحيى بن حبسك بن اميرك السهروردي ت 586هـ/1190م وهو حكمة الاشراق أول فلسفة اشراقية ولد في سهرورد غرب إيران قرب همدان وكانت هذه المدينة مشهورة بالزندقة وفيها نشاط عقلي وبسبب شهرتها بالزندقة أخذ سكانها يهجرونها ولم يبق فيها غير أسر قليلة من جملتها أسرة السهروردي[170] .
السهروردي ترك سهرورد وذهب إلى مراغة في أذريبيجان ، كان أساتذته نفس أساتذة فخر الدين الرازي من كبار الأشاعرة وقد ترك أذربيجان واستقل بنفسه ومال إلى المباحث الفلسفية والصوفية لأنه كان من أسرة صوفية معروفة وذهب إلى حلب كشيخ للفلسفة والتصوف على نحو جديد غير مألوف[171] . بدأ بنشر أفكاره والانطلاق بفكرة النور الإلهي على أساس إلهامي لا عقلي ويتجنب أفكار أرسطو ويقترب من أفكار أفلاطون المثالية وكانت ثقافته واسعة واطلاعه على العلوم كثير فأدى ذلك بالأضافة إلى صداقته مع أمير حلب وأبن صلاح الدين الأيوبي وحقد الفقهاء والمتنفذين في البلاد الأيوبية وعليه استغل الفقهاء حرية التقليد عند السهروردي فعقدوا له مجلسا ألزموه فيه بالقول بأن استمرار النبوات بعد محمد "ص" أمر مقبول عقليا وأمر كان قد أتفق عليه من قبل الإسلاميين على أساس أن النبي محمد "ص" هو خاتم الأنبياء[172] إستنادا لآيتين كريمتين : يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ[173]* وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ [174] وهذه الفكرة من ناحية نظرية ،وهذه الفكرة أدت بالحكم عليه وصدور الحكم من قبل صلاح الدين الايوبي وقتل صبرا أي قتل من العطش والجوع[175] .
السهروردي جمع بين الجانب الفلسفي والجانب الصوفي وكان هو صورة مطورة للحلاج وأفكاره إمتدادا لمباديء مدرسة نيسابور التي استقى منها ومن الدين الفارسي القديم تلك الافكار فضلا عن ذلك كانت له اطلاعات على العلوم السرية وذكرت عن السهروردي مجموعة من الكرامات تتصل بالتصرف بالطبيعة والسحر وقد ذكرت له مجموعة من الاشعار الصوفية على غرار شعر الحلاج ومنها :

وارحمتاه للعاشقين تحملوا



ستر المحبة والهوى الوضاح

بالسر إن باحوا تباح دمائهم



وكذا دماء العاشقين تباح[176]


فضلا عن هذه الظواهر الثقافية كان السهروردي ذا مظهر زهدي واضح يهمل ثيابه وجسمه وقوته والمال ويبرر ذلك لأن له هدفا أسمى من هذه المطالب المادية وقد خلف كتبا كثيرة مشهورة جدا ومشروحة شروح كثيرة ومنها [177] :
1- حكمة الاشراق
2- هياكل النور
3- المشارع والمطارحات
4- مجموعة من الرسائل منها الغربة الغربية
5- المقاومات
6- التلويحات
كتاب كلمة الاشراق له ثمانية شروح ، هياكل النور له خمسة شروح ، وكتاب مجموعة من الرسائل الغربة الغربية التي هي أشبه بقصة حي بني يقظان ،لابن طفيل[178].

آراء السهروردي المقتول :
صاحب فكرة الاشراق ، الاشراق ظهور النور في الكون المظلم .
المشرقية : وهي فلسفة قال بها فخر الدين الرازي واحتير في أمرها هل أنها فلسفة السهروردي وتسمى بالاشراقية فهو صاحب فكرة الاشراق من النور والحكمة الاشراقية هي فلسفة النور الإلهي[179] ، وله كتاب الغربة الغربية وأكد فيه أن الإنسان عندما يعيش بالمغرب يعيش عالما خاصا هو عالم الغربة والغربة الغربية ضد الانس الشرقي في الفلسفة الأشراقية وهي الفلسفة التي ينظر أو يجعل الله فيها مصدر المعرفة [180] والسهروردي كان أول مفكر فلسفي يستغل فكرة النور استغلالا فلسفيا يقوم على قاعدة إلهامية حيث يقول : لا أهمية للإلهام والنور ، إنما فكرة النور الإلهي فكرة فارسية قديمة تتمثل في أن العناية الإلهية إنما هي نور سيحل في أصلاب الملوك الذين يحكمون بلاد فارس ومن هذا النور يستمدون الحكمة والهدى والسلطة فإذا مات الملك انتقل هذا النور إلى الملك الذي يليه[181].
النور الإلهي في الإسلام : لقد عبر القرآن الكريم عن النور الإلهي في مجموعة من الآيات إذ ذكر قوله تعالى : الله نور السماوات والأرض [182] وفي تاريخ الإسلام أضيفت فكرة النور الإلهي إلى النبي محمد "ص" فيما مدحه عمه أبو طالب في قصيدة ذكر فيها هذا النور وتسلسله من الانبياء وإلى أجداده ثم إليه[183] .
كما استغلت فكرة النور الإلهي من أتباع كثير من الحركات الإسلامية مثلما جرى للثائر الطالبي عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر حيث أعتبره أتباعه إماما للمسلمين بناء على تناقل النور الإلهي إليه كذلك تناقلت هذه الفكرة عالم التصوف وتأسست عليها فرق صوفية سميت بالنورية قبل ظهور الطرق الصوفية وهذه الفكرة استغلها الحلاج في تكوين فلسفته الصوفية،وكان قوله بالنور تهمة من التهم التي وجهت إليه في النهاية[184].
لقد دخلت فكرة النور في عالم التصوف وأصبحت جزءا منه خصوصا في الطرق الصوفية الفارسية من أمثال الطريقة المولوية وصارت تشير إلى العلم الإلهي الذي يكتسبه الصوفي متى طبق البرنامج الصوفي المرسوم له تطبيقا كاملا عند ذلك نعتبر المعرفة الصوفية نورا إلهيا وتعتبر أقواله وكراماته نتيجة لهذه العناية الإلهية المتمثلة في اشراق قلبه بالمعرفة الصوفية وينبغي أن لا ننسى أن الصوفيين المجوس قبل الإسلام كانوا يسمون منوري القلب والناظرين إلى النور[185] .
ويبدو أن هذه الفكرة قديمة تمتد إلى الفراعنة ويشير السهروردي أشارة واضحة إلى القرآن الكريم في الآيات التي ذكرناها إضافة إلى استغلاله المعرفة اليونانية وكذا الصوفية حيث رتب السهروردي العالم ترتيبا فلسفيا يندمج هذا البترتيب مع نظام الفلسفة اليونانية ويندمج مع موضوع الطبيعة وما وراء الطبيعة ويجعلهما عالما واحدا هو عالم الاشراق[186] .
ويعتبر العالم كله مجموعة من الانوار القديمة يصدر بعضها عن بعض صدورا منظما غير خاضع للزمن ثم يتنازل عنده النور بعد صورته المطلقة التي تتمثل في الذات الإلهية التي يسميها نور الأنوار حتى تصل إلى الجسم الانساني بموجب الجدول التالي[187] .

نور الأنوار
الانوار العلوية →↓← الانوار القاهرة تبسط على الكائنات جميعا
السماويات →↓← الأرضيات
الأنوار المهيمنة

الانواع → ← الاجسام

انطلقت فلسفة الاشراق من تقديم الحركة واعتبارها العنصر الذي يربط العالم العلوي والعالم السفلي أما بدايتها فمؤداه أن النفس الناطقة هبطت من العالم العقلي إلى العالم السفلي الظلماني لكي تشكل العلوم والمعارف الحقيقية[188] .
ويعني بالنفس الناطقة الوجود الجزئي غير المتجسد المتمثل بالافراد الروحية ثم ذكر السهروردي أن استكمال العلوم والمعارف لم تحقق للنفس صورتها المجردة إلا مع الجهد الجهيد في الوقت الطويل ومن هنا تلبست النفس الناطقة بجسم واستعانت في تحقيق هدفها بالحواس وقوى البدن التي غايتها القصوى في رأي السهروردي الاطلاع على العالم المادي[189] أي أن على الانسان الروحاني أن يتملك جسده في الوصول إلى الاحاطة التامة بالمعارف العقلية وهذا هو القصد في خلق الجسم لا للاستمتاع باللذات المادية وبعد أداء هذا الفرض تفارق النفس البدن منتشية بحقائق الموجودات منقفطعة الصلة بين الجسم الانساني والعالم المادي ثم ترتفع إلى الملأ الاعلى لتنال سعادتها وهو الاحساس بالجمال الازلي والبهاء الابدي [190] .
لقد صب السهروردي هذه الصلة في قالب من القهر والتسلط يرد من نور الانوار وينصب منه إلى الجسم الانساني بعد أن يتسلك بالانوار النازلة حيث التخطيط الماضي حتى يصل إلى الجسم الذي يسميه السهروردي بـ الرزح [191] .وهناك تطلع أنساني إلى العالم الروحي وشوق وحب للوصول إلى العالم الروحي الذي جاء منه وجوده المجرد وبذلك يلتقي القهر والتسلط والشوق والاستسلام والقوة والضعف لكي تدور جاذبية روحية أو يثار روحي يستمد وجوده من السلب والايجاب أو من الفسوق أو الظلام والنور ليستمر العالم في هذه الحركة الدائبة ماديا وروحيا لتلتقي هذه التنظيمت مع الفكرة القرآنية التي تذكر أن كل مظهر من مظاهر العالم له أصل زوجي كالذكر والأنثى والحر والبرد والعلو والسفل والجذب والشد ونقيضهما إلى آخره ويقول السهروردي : ,أن العالم قديم معاصر للحركة القديمة التي هي سر الترابط بين العالم العلوي والعالم السفلي وبين نور الانوار والنفس الانسانية[192] .
ويعرف السهروردي الحركة أنها لا تنقطع وأنها للأفلاك التي تحمل الكواكب وبأنها دورية أي أنها لا تنتهي حتى تبدأ من جديد وعبر السهروردي أن هذه الأفلاك أو المسارات المحركة للكواكب إنما هي منتسبة بالأمور القدسية وأشعة الأنوار القاهرة وان حركتها ما هي إلا تعبير عن العشق الإلهي والتطلع للوصول إلى نور الأنوار وأن الأفلاك ليست متفاوته برأي السهروردي في الزمن وإنما تتفاوت في الأفضلية التي تمثل في النسبة النورية التي يتميز بعضها عن البعض الآخر وذلك من حيث قربه وبعده من نور الأنوار[193] .
لقد طلب السهروردي من كل إنسان أن يحقق الغرض من وجوده الجوهري وهو الصعود إلى نور الأنوار بعد الإحاطة بالعالم السفلي ولهذا فهو يقسم الناس أو السالكين من الصوفية أو المتفلسفة المعتقدين بالفلسفة الاشراقية إلى خمس درجات[194] .
1- مؤمنون تقليديون يدينون بالإسلام نقلا وسماعا دون تفكير أو احساس داخلي وهي بداية المرحلة عند الجنيد البغدادي بعد استكمال الثقافة الصوفية .
2- طبقة تتمثل في التوجه نحو العالم الروحي باعتباره شيئا مجهولا وأمرا غائبا وتتمثل هذه الطبقة في شعار صوفي نصه لا إله إلا الله كما ذكر السهروردي[195] .
3- طبقة تلغي الشخص الثالث ولا تعتقد بعالم الغيب ولا تتطلع إليه بل تحصر تطلعاتها الروحية بالشخص الثاني الذي هو المخاطب الذي هو الذات الإلهية ويفترضون أن العالم يتمثل في جزئين أحدهما المتكلم وهو العالم كله ورمزه النفس الإنسانية والوجود الآخر هو الله الذي سر العالم الأعظم ومعرفته وحبه واجب على العالم ويضع السهروردي لهذه الطائفة شعارا هو لا أنت إلا أنت [196] .
4- تتمثل في إلغاء المخاطب نفسه والتوحيد بين المتكلم والمخاطب أو بين العالم وبين الله في وجود واحد ليس بينه فاصلة بل هو كل متحد يحسه الإنسان بتأمله تأملا داخليا وهذا ما عبر عنه الفكر الإسلامي بالحلول وذلك بنزول الشخص الثاني المخاطب إلىالمتكلم[197]
5- درجة الاشراقيين الذين يفرقون بين الأنا الأولى التي هي الله والأنا الثانية التي هي الإنسان السالك في طريق نور الأنوار وذلك بأن يذكروا الأنا الثانية لا على سبيل الحقيقة بل على سبيل المجاز حتى يتحدوا ويفنوا في نور الأنوار وبذلك تنمحي الضمائر الثلاثةهو ، أنت ، أنا في بحر الفناء ولا يبقى إلا مدلول قوله تعالى كل شيء هالك إلا وجهه .
أصبح واضحا أن هذه الدرجات الخمسة ما هي إلا أسفار الجنيد البغدادي الأربعة ، ادمجت الدرجتان الرابعة والخامسة عند الجنيد بصورة الصحو والتعبير الإنساني ، وفرق بينها السهروردي على مرحلتين في صورة قد يكون غموضها مقصودا[198] .

طرق صوفية أخرى
الطريقة السقطية :-
مؤسسها أبو الحسن السري بن المفلس السقطي[199] توفي سنة 251هـ/865م ويقال في روايات تاريخية أخرى سنة 253هـ/867م وترجح مصادر تاريخية أخرى 257هـ/780م لكن السلمي أبو عبد الرحمن رجح وفاته في سنة 251هـ/865م[200] ، أول من تكلم في بغداد بلسان التوحيد وحقائق الاحوال ،كان إمام البغداديين وشيخهم في وقته[201] ،وأول من تكلم في المقامات والاحوال[202] ،كان دفنه في مقبرة الشوينزيه ببغداد وقبره ظاهر ومعروف وجنبه قبر الجنيد[203] .
عرف السري بالزهد والصلاح وكان أوحدا بالورع بشهادة القشيري الذي ذكر أن سبب ورعه وتوجهه نحو الحياة الصوفية هو ورعه وتقواه وقد روى القشيري حادثة تؤكد هذه المقوله وهي عندما كان في دكانه جاءه الشيخ معروف الكرخي ومعه صبي يتيم وقال له أكس هذا اليتيم ، قال القشيري فكسوته ففرح به معروف وقال لي : بغض الله إليك الدنيا واراحك مما أنت فيه فقمت من الدكان وليس بشيء أبغض إلي من الدنيا وكل ما أنا فيه من بركات دعوة الشيخ معروف رحمه الله[204] . وروى السلمي عن جعفر بن محمد بن نصير عن الجنيد السقطي يقول : أعرف طريقا مختصرا قصدا إلى الجنة فقلت :ما هو ؟ فقال : لا تسأل أحدا شيئا ولا تأخذ من أحد شيئا ولا يكون معك شيئ تعطي منه أحدا[205] وهو القائل من علامة المعرفة بالله القيام بحقوق الله وأيثاره على النفس فيما امكنت فيه القدرة [206] . كان للسري تلاميذ يأخذون بتجربته الصوفية ويرون فيها منوالا يحتذى بها ومثالا واضحا للتعاليم الصوفية وأصبح كذلك طرقا صوفية انتشرت في أقاليم وأمصار الدولة العربية الإسلامية ومنها الطريقة السقطية في مصر حيث كانت لها فروع وكانت لها ربط وخانقات ومريدون وكانوا يرون بالسقطي إماما وقدوه في حياتهم الدينية وقد عبروا عن أعجابهم بتقواه وورعه[207] . وترى في تعاليمه واقواله لمريديه حجر الأساس في الطريقة الصوفية السقطية وفي المقامات التي يجب أن يسلكها المريد قوله : للمريد عشرة مقامات : التحبب إلى الله بالنافلة والتزين عنده بنصيحة الأمة ، والأنس بكلام الله ، والصبر على أحكامه ، والاثر لأمره ، والحياء من نظره ، وبذل المجهود في حبه ،والرضا بالقلة ، والقناعة بالخمول[208] .
فكان من أقطاب مدرسة بغداد الصوفية ، كان أستاذ الجنيد الذي لقب بسيد الطائفة حتى قال في أستاذه السري : ما رأيت أعبد من السري [209] .
الطريقة السهلية
أسس هذه الطريقة أبو محمد سهل بن عبد الله التستري[210] .وتستر أحد أعمال الأحواز ويقال لها شتستر[211] .والتستري أحد أبرز أئمة القوم في الورع والمعاملات[212] ومن أكابرعلمائهم في علوم الاخلاص والرياضات[213] وحسد التستري من فقهاء عصره في بلده ونسبوه إلى عظائم الأمور بسبب قوله التوبة فرض على كل عبد في كل نفس ولم يزالوا حتى أخرج وجماعته من بلده إلى البصرة حتى مات سنة 283هـ/896م[214] ، وذكرت المصادر التاريخية أنه كان على مذهب مالك[215] .
قال التستري : من لم تكن ضرورته لربه فهو مدع لنفسه[216] .وقال : أعلموا أن هذه زمان لا ينال أحد فيه النجاة إلا بذبح نفسه بالجوع والصبر والجهد ، لفساد ما عليه أهل الزمان[217] .
ويحكى عن التستري أن خالي قال لي : أذكر الله الذي خلقك فقلت كيف أذكره فقال لي : قل بقلبك ثلاث مرات من غير أن تحرك به لسانك ، الله معي ، الله ناظر إلي ، الله شاهد علي[218] ومازال يرددها حتى أضاءت تلك الكلمات المباركات حياة سهل وملأت عليه وجوده فأعرض عن كل شيء حتى يتحقق بأفقها الأعلى[219] ، وكان التستري يسأل عن حقائق الزهد والورع ومقامات الارادة وأصول العبادة وهو أبن عشر ويحسن الإجابة عنها إذ قال : من لم يصحبه الورع أكل رأس الفيل ولم يشبع[220] .
وهناك ممارسات زهدية لدى التستري عرفت زهده وورعه حيث قال : لا معيلك إلا الله ،ولا دليل الا رسول الله ، ولا زاد إلا التقوى ولا عمل إلا بالصبر[221] .
أسس طريقته الصوفية :
ظهرت طريقته في البصرة وانتشرت في العراق وفي العالم الإسلامي من المشرق حتى المغرب وكان لهذه الطريقة أتباع وزوايا في مصر وبلاد الشام وكان أساس هذه الطريقة الصوفية الأعتماد على الاجتهاد ورياضة النفس سبيلا لمناجاة السالك والوصول إلى الغاية[222] ويعدون مخالفة النفس هدفا ونورا برضا الله عز وعلا وكانت أصول طريقته سبعة : التمثل بالكتاب ،والأخذ بسنة رسول الله "ص" ، أكل الحلال ، وكف الأذى ، وتجنب المعاصي ،والتوبة ،وأداء الحقوق[223] .
وقد لخص التستري مباديء طريقته بالنص التالي :أعلموا أن الله في ذاته عالم ، وأنه لا يدرك ولا تراه العين الباصرة في هذه الدنيا ولكنه موجود يدرك بحقائق الإيمان ، لا نهائيا ،لا يدرك ، غير حال في مكان أو زمان ، وأنه سيرى في الآخرة ظاهرا وباطنا في مملكته وعزته وقوته وأعلموا أن الناس محجوبون عن معرفة طبيعة ذاته وأن عقولهم لا يمكن أن تصل إليه[224] .

الطريقة النورية :
مؤسسها أبو الحسن احمد بن محمد النوري* بغدادي المولد والمنشأ خراساني الأصل من قرية يقال لها بقشور[225] كذلك كان يعرف بأبن البغوي[226] .
ذكر أبن الملقن أن سبب تسميته بالنوري نسبة إلى النور بليدة بين بخارى وسمرقند أو لنور كان بوجهه فنسب إليه والأرجح أنه نسب إلى نور وجهه وحسنه[227] .
وقد ذكر الشعراني أن سبب هذه التسمية نسبة إلى نور وجهه حيث ذكر أن النوري كان إذا دخل إلى مسجد الشونيزية ببغداد أنقطع ضوء السراج من ضياء وجهه فلذلك سمي بالنوري[228] كما وصفه الخطيب البغدادي بشيخ الصوفية في العراق وقد كان مذكورا بحسن العبارة وكثرة الاجتهاد[229] توفي سنة 295هـ/907م [230] . كان كبير الشأن عجيب الفطنة ذا رياسة في الفنون وسيادة في التصوف وتفنن في علوم الحقائق وانتهت إليه رياسة ال
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://alnsr.3oloum.com
 
الخطاء والصواب فى الفكر الصوفى
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
نسر سيناء :: المنتدى العام :: الدين والعقيدة-
انتقل الى: